عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

61

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

حق ، ولا بأنها من كل الوجوه خلق ، وكانت الشجرة الإيمانية ( لا شرقية ) فتوجب التنزيه المطلق بحيث أن ينفي التشبيه ، ( ولا غريبة ) فنقول بالتشبيه المطلق حتى أن ينفي التنزيه ، فهي تعصر بين قشر التشبيه ولبّ التنزيه ، وحينئذ ( يكاد زيتها ) الذي هو يقينها ( يضيء ) فترفع ظلمة الزيت بنوره ( ولو لم تمسسه نار ) بالمعاينة التي هي نور عياني وهو ( نور ) التشبيه ( على نور ) إيماني وهو نور التنزيه يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ « 1 » وكان هذا التشبيه تشبيها ذاتيا وهو وإن كان ظاهرا بنوع من ضرب المثل ، فذلك المثل أحد صور حسنه كما لو ظهر العلم في صورة اللبن في عالم المثان ، فإن تلك الهيئة اللبنية إحدى صور معنى العلم بحمله له ، فكل مثل ظهر فيه الممثل به فإن المثل إحدى صور الممثل لظهوره به وحمله له فافهم . فكانت المشكاة والمصباح والزجاجة والشجرة والزيت لا شرقية ولا غربية ، والإضاءة والنار والنور الذي هو نور على نور جميعها بظواهر مفهومها صور ذاتية لجمال ذات اللّه تعالى ، واللّه بكل شيء عليم ، وهو معنى جماله لأن العلم معنى في العالم بالشيء فافهم ، واللّه يقول الحق وهو أعلم . الباب الثاني عشر : في تجلي الأفعال تجلى الحق سبحانه وتعالى في أفعاله عبارة عن مشهد يرى فيه العبد جريان القدرة في الأشياء ، فيشهده سبحانه وتعالى محركها ومسكنها بنفي الفعل عن العبد وإثباته للحق ، والعبد في هذا المشهد مسلوب الحول والقوّة والإرادة ، والناس في هذا المشهد على أنواع : فمنهم من يشهد الحقّ إرادته أولا ثم يشهده الفعل ثانيا ، فيكون العبد في هذا المشهد ملسوب الحول والفعل والإرادة ، وهو أعلى مشاهد تجليات الأفعال ، ومنهم من يشهده الحق إرادته ولكن يشهده تصرفاته في المخلوقات وجريانها تحت سلطان قدرته ؛ ومنهم من يرى الأمر عند صدور الفعل من المخلوق ، لكن فيرجع إلى الحق ؛ ومنهم من يشهده ذلك بعد صدور الفعل من المخلوق ، لكن صاحب هذا المشهد إذا كان شهوده هذا في غيره فإنه مسلم له ، وأما إذا كان شهوده هذا في نفسه فإنه لا يسلم له ذلك إلا فيما وافق ظاهر السنة . وإلا فلا يسلم له ، بخلاف من أشهده الحق إرادته أولا ثم شهد تصرف الحق به قبل صدور الفعل منه وعنده وبعده ، فإننا نسلم له مشهده ونطالبه نحن بظاهر الشريعة ، فإن كان صادقا

--> ( 1 ) آية ( 35 ) سورة النور .